منهم الرواة الذين وصفوا بالانتقاء في مشايخهم؟

السبيل إلى معرفة ذلك سعة الاطلاع في كتب الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، وقد يسّر الله ليّ بالوقوف على عددمنهؤلاء الرواة، ولا شك أنَّ من توسع في الاطلاع، فقد يقف على من لم أقف عليه، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

            وها أنذا أذكر هؤلاء الرواة، مرتِّباً لهم على حروف المعجم، ليسهل الرجوع إليهم على طالب العلم، وسأذكر إن شاء الله عزّ وجلّ عند كل راوٍمنوصفه بذلك، ومصدر هذا الوصف، ولا أشترط الاستيعاب، مع بيان من اختلف فيه منهم، وترجيح ما أمكن ترجيحه، والعلم عند الله تعالى:

·       إبراهيم بن الحسين بن علي الهمذاني الكسائي المعروف بابن ديزيل، ويلقب بـ (دابة عفان» -:

            قال صالح بن أحمد الحافظ: سمعت أبي، سمعت علي بن عيسى يقول: إنَّ الإسناد الذي يأتي به إبراهيم، لو كان فيه أن لا يُؤكل الخبز، لوجب أن لا يؤكل، لصحة إسناده، اهـ من «النبلاء» (13/188) و«تذكرة الحفاظ» (2/609).

وهذا معناه أن ابن ديزيل ينتقي في الإسناد كله، فضلاً عن مشايخه، والله أعلم.

 

 

·       إبراهيم بن يزيد النخعي:

            قال ابن عبدالبر في «التمهيد» (1/30): وأما الإرسال: فكل من عُرف بالأخ1 عن الضعفاء، والمسامحة في ذلك، لم يُحتج بما أرسله، تابعياً كان أو من دونه، وكل من عُرف أنّه لا يأخذ إلا عن ثقة، فتدليسه ومرسله مقبول، فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح، اهـ، وانظر كلام ابن التركماني في «الجوهر النقي» (5/109)من«سنن البيهقي»، و«قواعد في علوم الحديث» للتهانوي (ص:217-218).

وقد قال الشافعي: وكان ابن سيرين وإبراهيم النخعي وغير واحد من التابعين يذهب هذا المذهب، في أن لا يقبل إلا ممن عرف، قال: وما لقيت ولا علمت أحداً من أهل العلم بالحديث يخالف هذا المذهب اهـ من «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (1/81) وانظر «الكفاية» (ص:21).

·       أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي أبوبكر: صاحب «المستخرج» و«المعجم»-:

            قال الإسماعيلي في خطبة «المعجم» (1/309).فإني استخرت الله عزّ وجلّ في حصر أسامي شيوخي الذين سمعت منهم، وكتبت عنهم، وقرأت عليهم الحديث، وتخريجها على حروف المعجم، ليسهل على الطالب تناوله، وليُرجع إليه في اسم إن التبس أو أُشكل، والاقتصار منهم لكل واحد على حديث واحد يُستّغرب، أو يُستفاد، أو يُستحسن، فينضاف إلى ما أردته من ذلك جمع أحاديث؛ تكون فوائد في نفسها.

            وأبيّن حال من ذممتُ طريقه في الحديث، بظهور كذبه فيه، أو اتهامه به، أو خروجه عن جملة أهل الحديث، للجهل به، والذهاب عنه، فمن كان عندي ظاهر الأمر؛ منهم لم أخرجه فيما صنفتمنحديثي، وإن أثبتُّ أسامي من كتبت عنه في صغري إملاءً بخطي في سنة ثلاث وثمانين ومائتين، فأنا يومئذ ابن ست سنين، فضبطته ضبط مثلي، من حيث يدركه المتأمل له من خطي، وذلك على أني لم أخرِّج من هذه البابة شيئاً فيما صنفت من السنين ([1]) وأحاديث الشيوخ.

            والله أسأل التوفيق لاستتمامه في خير وعافية، وأن ينفعني وغيري به...، اهـ.

قلت: فهذا يدل على أنَّ من سكت عنه الإسماعيلي من مشايخه في كتابه «المعجم»، أنَّه مقارب الحال، وقد يصرح بالتعديل، وقد يصرح بالتجريح، كما هو ظاهر لمن نظر في كتابه، والله أعلم.

·       أحمد بن الحسين أبوبكر البيهقي صاحب «السنن الكبرى».

            قال في مقدمة «دلائل النبوة» (1/46-47): ويُعلم أنَّ كل حديث أ,ردته فيه أي: في «دلائل النبوة» قد أردفته بما يشير إلى صحته، أو تركته مبهماً، وهو مقبول في مثل ما أخرجته، وما عسى أوردته بإسناد فيه ضعف أشرت إلى ضعفه، وجعلت الاعتماد على غيره... إلى أن قال: وعادتي في كتبي المصنفة في الأصول والفروع الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها، دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح، ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، لا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزاً فيما اعتمد عليه أهل السنة من الآثار.

            هذا ومن أنعم النظر في اجتهاد أهل الحفظ في معرفة أحوال الرواة وما يُقبل من الأخبار وما يُرد، علم أنهم لم يألوا جهداً في ذلك، حتى إذا كان الابن يقدح في أبيه، إذا عثر منه على ما يوجب ردَّ خبره، والأب في ولده، والأخ في أخيه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تمتعه من ذلك شجنة رحم ولا صلة مال، والحكايات عنهم في ذلك كثيرة، وهي في كتبي المصنفة في ذلك مكتوبة، ومن وقف على تمييزي في كتبي بين صحيح الأخبار وسقيهما، وساعده التوفيق؛ علم صدقي فيما ذكرته.

            ومن لم ينعم النظر في ذلك، ولم يساعده التوفيق، فلا يغنيه شرحي لذلك وإن أكثرت، ولا إيضاحي له وإن بلغت، كما قال الله عزّ وجلّ -: (وَمَا تُغنِي الأيَتُ عَن قَومٍ لا يُؤمِنُونَ)، اهـ.

            فهذا يدل على أن البيهقي ما لم يضعف حديثاً فهو عنده مما يحتج به، وكون غيره لا يُسلم له نقده، فهذا أمر آخر، فلو عزا أحد توثيق البيهقي في الجملة لراو أخرج  له في مصنفاته، ولم يتعقب روايته بشيء فلا غبار عليه، والله أعلم([2]).

(تنبيه): الذي حملني على احترازي بقولي: «- في الجملة -» خشية أن يكون البيهقي قد صحح الحديث بشواهده، وإن كان راوية لا يحتج به، لكن لو كان عنده متروكاً؛ لما استشهد به، ففي صنيعه هذا مدح للراوي في الجملة، والله أعلم.

·       أحمد بن شعيب النسائي صاحب «السنن»:

            جاء في «الميزان» (1/115) ترجمة أحمد بن عبدالرحمن البُسْري، قال الذهبي: حدث عنه النسائي، وحسبك به، اهـ.

            وفي «تهذيب التهذيب» (1/88) ترجمة أحمد بن نفيل السَّكوني الكوفي، روى عنه النسائي، وقال: لا بأس به، قال الذهبي، مجهول، فتعقبه الحافظ وقال: قلت: بل هو معروف، يكفيه رواية النسائي عنه، اهـ.

            وقد قال الذهبي نفسه في «المغني» (1/106-107) برقم (478): شيخ للنسائي لا يُعرف، لكن النسائي نظيف الشيوخ، وقد قال فيه: لا بأس به اهـ.

            وفي «تهذيب التهذيب» (1/89) ترجمة أحمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني، روى عنه النسائي، وقال: ثقة، وقال الذهبي في الطبقات: لا يُعرف، فتعقبه الحافظ، فقال: بل يكفي في رفع جهالة عينه رواية النسائي عنه، وفي التعريف بحاله توثيقه له، وانظر «تهذيب التهذيب» (1/179). اهـ.

            لكن جاء في «تهذيب التهذيب» (9/315) ترجمة محمد بن عبدالكريم بن محمد بن عبدالرحمن بن حويطب الحراني: قال حمزة الكناني: سألت النسائي عنه، فقال: كتبت عنه شيئاً يسيراً، ولم أخرج عنه إلا حديثاً واحداً في الصلاة، قلت: ما حاله، قال: لا أدري، اهـ، فهذا يدل على أن بعض شيوخه لا يعرف حالهم، بل قد ذكر العلامة المعلمي يرحمه الله أنه قد يوثق المجاهيلمنالقدماء، انظر «التنكيل» (ص:255) في باب كيف البحث عن أحوال الرواة، والله أعلم.

            وقد يُحْتَجُّ على تساهل النسائي بقوله: لا يُتْرك الرجل عندي، حتى يُجمع الجميع على تركه، إلا أن الحافظ بيّن أن هذا إجماع خاص، أي إجماع المتشدد والمعتدل والمعتدل في الطبقة الواحدة، انظر «النكت» (1/482/484).

·       أحمد بن محمد بن حنبل إمام أهل السنة:

            ذكر التهانوي في «قواعد في علوم الحديث» (ص:218) أ، الحافظ الهيثمي قال في «مجمع الزوائد»: ثابت بن عبدالله بن جُميع، روى عنه أحمد وشيوخه ثقات، اهـ وعزاه المحقق في الحاشية إلى (1/80) من «مجمع الزوائد»، ولم أقف عليه.

            وفي «تهذيب التهذيب» (11/94) ترجمة الهيثم بن خارجة الخراساني، قال عبدالله بن أحمد: كان أبي إذا رضي عن إنسان، وكان عنده ثقة، حدث عنه وهو حي، فحدثنا عن الهيثم بن خارجة وهو حي، اهـ.

            وفي «تهذيب التهذيب» (9/114) ترجمة محمد بن الحسن بن آتش، قال الحافظ: وكلام النسائي فيه غير مقبول لأن أحمد وعلي بن المديني لا يرويان إلا عن مقبول... اهـ.

وذكر السخاوي في «فتح المغيث» (2/42) أن أحمد ممن كان لا يروي إلا عن ثقة، إلا في النادر اهـ.

            ومعلوم أن أحمد روى عن البعض المتكلم فيهم كما في «تهذيب التهذيب» (9/458) ترجمة محمد بن مصعب بن صدقة القرقساني، قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: حديث القرقساني عن الأوزاعي مقارب، (وما) له عن حماد بن سلمة ففيه تخليط، قلت لأحمد: تحدث عنه؟ قال: نعم اهـ.

            بل قد روى عن عامر بن صالح بن عبدالله بن عروة بن الزبير بن العوام، الذي كذبه يحيى بن معين، ودهّاه آخرون، حتى قال أبو داود: سمعت يحيى بن معين يقول: جُنَّ أحمد، يحدث عن عامر بن صالح اهـ وهذا النص يدل على أن يحيى بن معين يرى رواية أحمد عن عامر خلاف ما اشتهر عن أحمد من الانتقاء، وانظر ما قاله التهانوي حول رواية أحمد عن المتكلم فيهم (ص:219).

            قد كان الإمام أحمد يشير على ولده عبدالله بالكتابة عمن يرضاهم أحمد من أهل السنة الثقات، انظر «تعجيل المنفعة» (ص:15) ترجمة إبراهيم بن الحسن الباهلي العلاف المقرئ، وانظر (ص:19) ترجمة إبراهيم بن عبدالله بن بشار الواسطي، فما كان أحمد ليضيق على ولده في الرواية عن الضعفاء، ويوسِّع لنفسه في ذلك، وانظر ذلك في «التنكيل» (ص:282) ترجمة إبراهيم بن شماس، (ص:658-660) ترجمة محمد بن أعين أبي الوزير، وانظر ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة عبدالله بن أحمد بن حنبل والله أعلم.

 

 

·       إسماعيل بن علية هو ابن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم أبو بشر البصري -:

جاء في «الميزان» (4/411) ترجمة يحيى بن ميمون أبي معلى العطار: بصري واهٍ عن سعيد بن جبير، كذبه الفلاس وغيره، قال الذهبي، قلت: بل صدوق حدث عنه مثل شعبة وابن علية، واحتج به النسائي، اهـ.

            فهذا القول بظاهره يدل على انتقاء ابن علية، مع أنه ليس ظاهراً في ذلك، لاحتمال أن الذهبي مدحه لاحتجاج النسائي به، وهذا فرع عن توثيقه، وإن كان ظاهر سياق كلام الذهبي، يشير إلى ما حررته أولاً، والله أعلم.

·       إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم -:

            جاء في «تهذيب التهذيب» (1/292) ترجمة إسماعيل، قال العجلي: وكان ربما أرسل الشيء عن الشعبي، فإذا وقف أخبر، وكان صاحب سنة، وكان حديثه نحواً من خمسمائة حديث، وكان لا يروي إلا عن ثقة، اهـ.

            قلت: ولم أجد الوصف بأنه لا يروي إلا عن ثقة في «معرفة الثقات» للعجلي، ولا في «تاريخ الثقات» للعجلي، ولا في «تهذيب الكمال»، فلعل الحافظ وقف على نسخة فيها ذلك.

مع أن يحيى بن سعيد قال: مرسلات ابن أبي خالد ليست بشيء، اهـ من «تهذيب التهذيب» فهذا يدل على أنه لا ينتقي، والله أعلم.

·       أيوب بن أبي تميمة السختياني:

            جاء في «تهذيب التهذيب» (7/266): قال أيوب: كنت أريد أن أرحل إلى عكرمة؛ فإني لفي سوق البصرة، إذ قيل: هذا عكرمة، قال: فقمت إلى جنب حماره، فجعل الناس يسألونه، وأنا أحفظ، وقال حماد بن زيد عن أيوب: لو لم يكن عندي ثقة، لم أكتب عنه، اهـ ترجمة عكرمة البربري أبي عبدالله المدني مولى ابن عباس إلا أنَّ ابن أبي حاتم ساق سنده إلى ابن معين، قال: حدّثني من سمع حماد بن زيد، يقول: سمعت أيوب وسئل عن عكرمة: كيف هو؟ قال: لو لم يكن عندي ثقة لم أكتب عنه اهـ. فإن كان ما في «تهذيب التهذيب»منطريق هذا المبهم، فالعمدة على ما في ترجمة أبي يزيد الآتية، وإن كان للحافظ طريق أخرى، فذاك.

            وقد نقل ابن شاهين كلام أيوب في عكرمة، انظر «تاريخ الثقات» لابن شاهين (ص:254) برقم (1019) ترجمة عكرمة بن عمار، مع أن قول أيوب في عكرمة مولى ابن عباس، والله أعلم.

            وفي «تهذيب التهذيب» (12/208) ترجمة أبي يزيد المدني في أهل البصرة، قال الآجري عن أبي داود: سألت أحمد عنه، فقال: تسألني عن رجل روى عنه أيوب؟! اهـ وانظر «سؤالات أبي داود لأحمد» (ص:210) برقم (163)، وانظر «شرح علل الترمذي» (1/355).

·       بشر بن الحارث بن عبدالرحمن المشهور بالحافي -، - يرحمه الله -:

           قال السلمي: وسألته أي: الدارقطني عن بشر بن الحارث الحافي؟ فقال: زاهد، جبل، ثقة، ليس يروي إلا حديثاً صحيحاً، ورعاً، تكون البلية ممن يروي عنه، اهـ من «سؤالات أبي عبدالرحمن السلمي للدارقطني» (ص:68) برقم (79) وانظر «النبلاء» (10/474-475).

            وقد يقول قائل: قول الدارقطني: ليس يروي إلا حديثاً صحيحاً، ظاهره أنَّ بشر بن الحارث ممن ينتقي في الرواة، لكن هذه الكلمة بالاستقراء لا يلزم منها الانتقاء الذي نحن بصدده، فالراوي إذا روى عن ضعيف، وذكر اسمه، ولم يسقطه، فالعهدة في النكارة على الضعيف، لا على الثقة الذي روى عنه، وإذا كان الثقة إذا سمي سمي ثقة، وكان من دونه ثقة أيضاً- فحديثه يكون صحيحاً، بمعنى: أنَّه لم يهم على الثقات، لا أنَّه لا يروي إلا عن ثقة، يدلُّك على ما ذكرت؛ بقية كلام الدارقطني: «تكون البلية ممن يروي عنه» أي: إن رأيت المناكير في حديثه، فمن تلامذته، لا منه، والله أعلم.

            والأمر كما قال القائل، إلا أن قول الدارقطني هذا في تلامذة الحارث، يشير إلى أن مشايخه ليسوا كذلك، وإلا لقال: إذا روى عن ثقة، وروى عنه ثقة؛ فحديثه صحيح، ولما لم يتكلم على مشايخه؛ دل هذا والله أعلم على الانتقاء، ولأن الثقات الذين لا ينتقون، ويروون عن كل ضرب، لا يتحملون عهدة نكارة أحاديث شيوخهم هؤلاء، إذا صرحوا بأسمائهم، فلماذا لا يقال في أحدهم: «لا يروي إلا حديثاً صحيحاً، كما قال الدارقطني في بشر الحافي؟ّ فلما لم يقولوا فيهم هذه المقالة، دلّ ذلك على أن قول الدارقطني بشير إلى ما فهمته منه، والله أعلم.

 

·       بقي بن مخلد بن يزيد أبو عبدالرحمن الأندلسي القرطبي -:

            جاء في «تهذيب التهذيب» (1/22) ترجمة أحمد بن جوّاس: قال الحافظ: وروى عنه بقي بن مخلد، وقد قال: إنه لم يحدث إلا عن ثقة، اهـ.

            وفي (1/30) ترجمة أحمد بن سعد بن الحكم، قال الحافظ: وروى عنه بقي بن مخلد، وكان لا يحدث إلا عن ثقة، اهـ وانظر «التنكيل» (ص:305)، وفي (1/410) من «تهذيب التهذيب» ترجمة أيوب بن محمد بن أيوب الهاشمي: قال الحافظ: وروى عنه بقي بن مخلد، ومن شأنه أن لا يروي إلا عن ثقة، اهـ.

            وفي (6/391) ترجمة عبدالملك بن حبيب بن سليمان: قال الحافظ: روى عنه ابن وضاح وبقي بن مخلد، ولا يرويان إلا عن ثقة عندهما، اهـ.

وقد قال محقق «تهذيب الكمال» (1/286) ترجمة أحمد بن جواس، الحاشية (2): وفي «تاريخ قرطبة» قال بقي: كل من رويت عنه فهو ثقة، اهـ.

·       بكير بن عبدالله بن الأشج القرشي مولاهم -؛ -نزيل مصر -:

            قال أحمد بن صالح المصري: إذا رأيت بكير بن عبدالله روى عن رجل؛ فلا تسأل عنه؛ فهو الثقة الذي لا شك فيه، اهـ من «تهذيب التهذيب» (1/492-493) ترجمة بكير بن عبدالله.

·       جعفر بن محمد بن أبي عثمان أبو الفضل الطيالسي:

            قال الخطيب: وكان ثقة ثبتاً، صعب الأخذ... وساق الخطيب سنده إلى يحيى بن معين، قال لجعفر: لو أدركت أنت زيد بن الحُباب وأبا أحمد الزبيري لم تكتب (نهما) قال: يعني: في شدة أخذه عن الشيوخ قلنا لجعفر: لِمَ؟ قال: إنما كانوا شيوخاً. اهـ من «تاريخ بغداد» (7/188-189) ترجمة جعفر الطيالسي.

·       حبيب بن صالح الطائي:

            في «تهذيب التهذيب» (2/186) عبارة لأبي زرعة الدمشقي، اعتراها تصحيف، فيظن من وقف عليها أن حبيباً ممن ينتقي، وليس كذلك، بل المراد أنّ شعبة هو الذي ينتقي، انظر «تهذيب الكمال» (5/382).

·       حبيب بن الشهيد الأزدي أبو محمد:

            جاء في «تاريخ الثقات» لابن شاهين (ص:98) برقم (217): أ×برنا يحيى بن محمد بن صاعد: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد: حدثني أبي، قال: لقيت شعبة في الطريق، فقال: ما كان أبوك بأقلهم حديثاً، ولكن كان شديد الاتقاء، اهـ، وسنده صحيح.

وهذا يدل على أنه ما كان يروي عن كل أحد، وإلا لكثر حديثه، وانظر «تهذيب التهذيب» (2/186) ترجمة حبيب بن الشهيد، والله أعلم.

·       حريز بن عثمان الرحبي:

            جاء في «سؤالات الآجري» (2/248/1741): قال الآجري: سألت أبا داود عن سعيد بن مرثد الرحبي، فقال: من التابعين؛ ثقة، قلت: حدث عنه حريز، قال: شيوخ حريز كلُّهم ثقات، اهـ.

            وقال فيه دحيم: حمصي، جيد الإسناد، صحيح الحديث، وقال أحمد: صحيح الحديث.

            وقال ابن عدي: وحريز من الأثبات في الشاميين، ويحدث عن الثقات...، اهـ. من «تهذيب التهذيب» (2/237-240) ترجمة حريز.

            ونقل الحافظ كلام أبي داود مستدلاً به في «اللسان» (2/360-361) ترجمة حمزة بن هانئ عن أبي أمامة الباهلي، وقال الذهبي في ابن هانئ: ... لا يعرف، وعنه حريز بن عثمان لكن شيوخ حريز وُثقوا. اهـ «الميزان» (4/597).

·       حسان بن عطية المحاربي مولاهم؛ أبوبكر الدمشقي -:

            قال خالد بن نزار: قلت للأوزاعي: حسان بن عطية عن من؟ قال: فقال لي: مثل حسان كنا نقول له عن من؟!، اهـ من«تهذيب التهذيب» (2/251).

            وقد ساق ابن عساكر سنده إلى خالد بن نزار بهذه القصة كما في «تاريخ دمشق» (12/440) -، وهذا معناه: أن حسان كان رجلاً مهيباً لجلالته وعلو قدره، وقد يكون بمعنى أنه ينتقي في الرواية، ويتحفظ في روايته عن الضعفاء والمجهولين، ولا يروي إلا عن ثقة، فلا يحتاج إلى سؤال، ولعل ذلك من أسباب علو قدره وجلالته عند تلامذته، وهذا بخلاف ما فهمه مُخْتصر «تاريخ دمشق» (4/145) لثناء الأوزاعي على حسان، وقد تكلمت على ذلك في «شفاء العليل» (1/72-73)، فارجع إليه.

            ومما يدل على ذلك قول ابن سيرين: كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم، اهـ من «مقدمة مسلم» (1/44)، فترك السؤال عن الإسناد، سببه الثقة في الواسطة، وذلك بالثقة في نقد الناقل، والله أعلم.

·       زائدة بن قدامة الثقفي أبو الصلت:

            قال العجلي في «تاريخ الثقات» (ص: 163) برقم (452): ثقة لا يحدث أ؛داً حتى يسأل عنه، فإن كان صاحب سنة حدثه، وإلا لم يحدثه، اهـ.

            فإذا كان لا يحدث إلا سُنِّياً، فمن باب أولى أن لا يحدث إلا عن سني مرضي عنده؛ لأنَّ المشهور: أنَّ الذين ينتقون، إنّما ينتقون في المشايخ والانتقاء في التلاميذ قليل جداً -، فيستبعد أن يلتزم زائدة بذلك في التلاميذ مع أنَّه لا يلحقه من رواية غير المرضي عنه عيب ويسهّل في روايته عن غير المرضيين، وهذا مما يلحقه به عيب، وانظر «النبلاء» (7/377)؛ ولذلك قال الحاكم في «المستدرك» (1/211): وقد عُرف من مذهب زائدة أنَّه لا يحدَّث إلا عن الثقات، اهـ - ك/ الصلاة، ب/ من كتاب الإمامة وصلاة الجماعة، وانظر «تهذيب التهذيب» (3/306-307)، و«النبلاء» (13/189).

·       زيد بن أسلم العدوي أبو أسامة المدني -:

            قال العطاف بن خالد: جدث زيد بن أسلم بحديث، فقال له الرجل: يا أبا أسامة! عمن هذا؟ فقال: يا ابن أخي! ما كنا نجالس السفهاء، اهـ، من «تهذيب التهذيب» (3/396) لكن العطاف صدوق يهم، ففي النفس من هذا شيء، لا سيما وزيد قد ذكر عنه ابن عبدالبر في «التمهيد» (1/36-37) ما يدل على التدليس، وانظر «تهذيب التهذيب» (3/397)، وقد ذكره الحافظ في المرتبة الأولى؛ الذين يدلسون نادراً، ولكن قد يقال: الضعيف إذا حكى قصة، دل على أنه قد ضبطها، فالله أعلم.

·       سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي أبو محمد -:

            وصفه بذلك ابن عبدالبر في «التمهيد» (1/30) وقد سبق في ترجمة إبراهيم بن يزيد النخعي، وانظر هناك المصادر الأخرى.

·       سفيان بن عيينة الهلالي أبو محمد:

            قال ابن حبان في مقدمة «صحيح ابن حبان» (1/161) أثناء كلامه على ردّ رواية المدلس -: اللهم إلا أن يكون المدلِّس يُعلم أنه ما دلس قط إلا عن ثقة، فإذا كان كذلك قُبلت روايته، وإن لم يُبيّن السماع، وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده؛ فإنه كان يدلس، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه؛ إلا وُجد ذلك الخبر بعينه قد بيَّن سماعه عن ثقة مثل نفسه، والحكم في قبول روايته لهذه العلة، وإن لم يبين السماع فيها، كالحكم في رواية ابن عباس إذا روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما لم يسمع منه، اهـ.

            وفي «التبيين لأسماء المدلسين» لبرهان الدين الحلبي (ص:94) برقم (29) ترجمة سفيان بن عيينة: لكنه لم يدلس إلا عن ثقة كثقته.

            وحكى ابن عبدالبر عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يُقبل تدليس ابن عيينة؛ لأنه إذا وقف أحال على ابن جريح ومعمر ونظرائهما، وهذا ما رجحه ابن حبان...، اهـ.

            وكلام ابن عبدالبر موجود في «التمهيد» (1/31)، قال برهان الدين الحلبي: وقد سبق ابنَ عبدالبر أبوبكر البزار وأبو الفتح الأزدي أي إلى هذه الدعوى -، اهـ.

            وفي الحاشية (ص:96) برقم (7): في هامش (س) لفظ ابن الملقِّن: وصرح بذلك أبو الفتح الأزدي والبزار، وإن كانت هذه صفته، وجب قبول حديثه، وكذا قال أبوبكر الصيرفي في «دلائله»: كل من ظهر تدليسه عن غير الثقات، لم يُقبل خبره حتى يقول: حدثني أو سمعت، انتهى لفظ ابن الملقن - رحمة الله عليه -، وفي «النبلاء» (8/462): قال ذؤيب بن عمامة السهمي: سمعت ابن عيينة يقول: سمعتمنصالح مولى التوأمة هكذا وهكذا، وأشار بيديه يعني: كثرةّ سمعت منه ولعابه يسيل، فقال عبدالرحمن بن أبي حاتم: فلا نعلمه روى عنه شيئاً، كان منتقداً للرواة. اهـ.

            وفي «مقدمة مسلم» (1/62-63) من طريق الحميدي قال: حدّثنا سفيان، قال: سمعت جابراً يحدث بنحومنثلاثين ألف حديث، ما أستحل أن أذكر منها شيئاً، وأن لي كذا، وكذا. اهـ.

            وهذا كله يدل على ورع سفيان في الرواية، وتحاشيه من رواية المناكير، لأنّ استكثار المحدثين أمر مشهور، ولا يصبر على ترك هذا القدرمنالحديث، إلا إمام ورع ناقد بصير، والله أعلم.

            وقال الدارقطني: ... وأما ابن عيينة فكان يدلس عن الثقات. اهـ من «تهذيب التهذيب» (6/405) ترجمة عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج المكي، وانظر كلام الدار قطني في «سؤالات الحاكم» (ص:175) برقم (265)، اهـ.

            وهنا كم نذكر أن ابن عيينة دلس عن الحسن بن عمارة أحد المتروكين، وقد أفادني بعض طلبة العلم، أن قد بحث هذا السند؛ فرأى أن ابن عيينة روى الحديث بذِكْر الحسن بن عمارة، وبدون ذكره، وأن من رواه عنه بذكر الحسن بن عمارة، أرجح ممن رواه عنه بإسقاط الحسن، وانظر «فضائل الصاحبة» لأحمد (1/71/34) برقم (3029) و«العلل» لأحمد برقم (2532) و«العلل» للدارقطني (3/144) السؤال (323) مع الحاشية، وترجمة أبي بكر في «تاريخ دمشق»، فإ، كان ما أفادني به ذاك الأخ صحيحاً؛ فذاك، وإلا فيحمل على أ، تدليس ابن عيينة عن الثقات، إلا في النادر، والله أعلم.

            بقي أن يقال: هذا نص العلماء فيما دلس فيه ابن عيينة، لكن: هل يكون كذلك فيما صرح بالسماع؟ وأنه إن صرح بالسماع سمي شيخاً ثقة كذلك، أم لا؟

            وجه من يراه كذلك: أنه إذا كان يدلس والتدليس مظنة الريبة لا يدلس إلا عن ثقة، فكيف إذا صرح بالسماع؟ ووجهمنلا يراه كذلك، قول من قال: من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد كفاك، أي: أنه لدينه وأمانته إذا أسقط شيخه؛ تحرى ثقته؛ لأنه يعلم أن من سمع منه، فسيعمل بخبره، كي لا يدخل في الدين ما ليس منه، أما إذا أظهر شيخه، فمن احتاج للعمل بخبره فتّش عن حاله، وعهدة الراوي تبرأ بذكره اسم من حدثه.

هذا وجه القولين، ولكني لم أقف علىمنتوقف في مشايخ ابن عيينة إذا صرح بالسماع؛ ولذا فالراجح عندي أنه يُذكر في جملةمنينتقي في الجملة والله أعلم.

·       سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني:

            قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/12): ومن كا من شايخ الطبراني في «الميزان» نبهت على ضعفه، ومن لم يكن في «الميزان» ألحقته بالثقات الذين بعده... اهـ.

            وهذا من تساهل الهيثمي يرحمه الله -، لأنَّ الشيخ قد يكون مجهولاً وليس في «الميزان» بل قد يكون شديد الضعف، ومع ذلك لا يوجد في «الميزان» بل قد يكون شديد الضعف، ومع ذلك لا يوجد في «الميزان»، وفي «اللسان» زوائد لم توجد في أصله، كما هو ظاهر.

 

 

·       سليمان بن حرب الأزدي الواشحي:

            جاء في «الجرح والتعديل» (7/255) ترجمة محمد بن أبي رزين: قال أبو محمد: سئل أبي عنه، فقال: شيخ بصري، لا أعرفه، لا أعلم روى عنه غير سليمان بن حرب، وكان سليمان قلَّ من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ، فاعلم أنه ثقة، اهـ، وانظر «الميزان» (3/545) ترجمة محمد بن أبي رزين.

            وقد قال أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (4/108) في ترجمة سليمان بن حرب -: إمام من الأئمة، كان لا يدلَّس، ويتكلم في الرجال وفي الفقه، اهـ وانظر «تهذيب التهذيب» (4/179) ترجمة سليمان، وانظر «فتح المغيث» (2/42) فقد ذكره مع جماعة.

            وقول أبي حاتم «كان لا يدلس»، يحتمل أمرين لا ثالث لهما عندي:

الأول: أن يكون هناك من أنهم سليمان بالتدليس، وأراد أبو حاتم أن يدافع عن سليمان، فقال ما قال، ولم أقف على أحد قد رماه بالتدليس.

الثاني: أن يكون المراد من هذا أن سليمان ينتقي في المشايخ، ولا يحدث عن المجهول أو الضعيف؛ لأن الحامل للمدلسين غالباً على التدليس ضعفُ شيوخهم، أما سليمان فإنه يفاخر بشيوخه، فيذكرهم ويسميهم.

            ومما يدل على تعيُّن هذا الوجه: ما قاله أبو حاتم من قبل، وما اشتهر عن سليمان من التحري والتحفظ فيمن يحدث عنهم.

            فإن قيل: وهل كل من لا يدلس كذلك؟

            قلت: الرواة على أقسام:

            منهم من صرح بعض الأئمة بأنه يدلس، ومنهم من صرح بعض الأئمة بأنه لا يدلس كما في سليمان بن حرب ومنهم من لم يُذْكَر بهذا ولا ذاك.

والذي يصح أن يقال: إنه ينتقي، من كان من القسم الثاني فقط.

            فإن قيل: قولهم: فلان لا يدلس، يُراد منه فقط نفقي تدليس الراوي.

            قلت: ولماذا لم يقولوا هذا في كل من لا يدلس، أو في كثير منهم؟! وهذا مما يُدلك عن أن قولهم: «فلان لا يدلس» مدح رفيع، وليس مجرد الدفع عن الراوي، والله أعلم.

·       شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي أبو سطام الواسطي -:

            جاء في «الميزان» ترجمة توبة بن عبدالله أبي صدقة (1/361):

            قال الأزدي: لا يحتج به، قال الذهبي: قلت: ثقة روى عنه شعبة، اهـ.

            وفي (1/399) ترجمة جعدة عن أم هانئ، قال الذهبي: روى عنه شعبة: لا يُدرىمنهو، لكن شيوخ شعبة عامتهم جياد، اهـ.

            وفي (2/532) ترجمة عبدالأكرم بن أبي حنيفة عن أبيه، وعنه شعبة، لا يُعْرف، لكن شيوخ شعبة جياد، وقال أبو حاتم: شيخ، اهـ.

            وفي «فتح المغيث» (2/42) ذكره السخاوي فيمن كان لا يروي إلا عن ثقة، إلا في النادر، وذكر أن ذلك في شعبة على المشهور؛ فإنه كان يتعنت في الرجال، ولا يروي إلا عن ثبت، وإلا فقد قال عاصم بن علي: سمعت شعبة يقول: لو لم أحدثكم إلا عن ثقة، لم أحدثكم إلا عن ثلاثة، وذلك اعتراف منه بأنه يروي عن الثقة وغيره، فينظر، وعلى كل حال فهو لا يروي عن متروك، ولا عمن أُجمع على ضعفه، اهـ.

            قلت: والذي يظهر لي من قول شعبة: «...... لم أحدثكم (إلا) عن ثلاثة»، أنه يقصد نوعاً معيناً من الثقات، وهم الأئمة المشاهير، وإلا ففي مشايخ شعبة من يوصف بكونه: «ثقة» عدد كثير، والله أعلم.

      وفي «الكامل» لابن عدي (1/83) قول لحمزة بن زياد الطوسي نحو قول عاصم بن علي السابق، والله أعلم.

            وذكر في (1/84) قولاً مقيداً، مع التصريح بثلاثة مشاهير، فارجع إليه إن شئت.

            وفي «الضعفاء الكبير» للعقيلي (3/43) قال شعبة: نعم الشيخ عبدالحميد بن بهرام، ولكن لا تكتبوا عنه، فإنه يروي عن شهر بن حوشب، اهـ فإذا كان يُنكر على غيره، فإنه لا يقع فيما أنكر، وفي «المجروحين» لابن حبان (1/209) ترجمة جابر بن يزيد الجعفي، قال ابن حبان: فإن احتج محتج بأنه شعبة والثوري رويا عنه؛ فإن الثوري ليس من مذهبه ترك الرواية عن الضعفاء، بل كان يؤدي الحديث على ما سمع، لأنْ يرغِّب الناس في كتابة الأخبار، ويطلبوها في المدن والأمصار.

            وأما شعبة وغيرهمنشيوخنا؛ فإنَّهم رأوا عنده أشياء لم يصبروا عنها، وكتبوها ليعرفوها، فربّما ذكر أحدهم عنهُ الشيء بعد الشيء على جهة التعجب، فتداوله الناس بينهم.

            قال: والدليل على صحة ما قلنا: أنَّ محمد بن المنذر قال: حدثنا أحمد بن منصور: حدثنا نعيم بن حماد، قال: سمعت وكيعاً يقول: قلت لشعبة: ما لك تركت فلاناً وفلاناً، ورويت عن جابر الجعفي؟ قال: روى أشياء لم نصبر عنها...، اهـ ونعيم بن حماد فيه مقال، والله أعلم.

            وذكر الحافظ في مقدمة «تهذيب التهذيب» (1/4-5) أن شعبة قد عُرفمنحاله أنَّه لا يروي إلا عن ثقة، اهـ، وانظر ترجمة حبيب بن صالح الطائي في «تهذيب التهذيب» (2/186) وقد وقع فيه تصحيف فاحش، فارجع إلى أصله «تهذيب الكمال» (5/382).

            وانظر كلام النسائي في مدح شعبة بالانتقاء في «التمهيد» (1/63)، وقد مدحه بذلك القطان، انظر «الميزان» (3/376) ترجمة القاسم بن عوف الشيباني، وانظر (3/613) ترجمة محمد بن عبدالجبار عن محمد بن كعب.

وأنكر الذهبي على شعبة روايته عن شرقي بن قطامي، مع قوله: حماري وردائي للمساكين، إن لم يكن شرقي كذب على عمر، فقال الذهبي: قلت: فلمَ تروي عنه؟ اهـ.

            وهذا يدل على أن روايته عن شرقي خلاف المعروف عنه.

وكلام أحمد يدل على انتقاء شعبة، انظر «الميزان» (2/591) ترجمة عبدالرحمن بن معاوية أبي الحويرث.

            وفي ترجمة أبي الحسن عن طاوس، قال الذهبي: وعنه شعبة، مجهول، قلت: لكن شعبة منقِّ للرجال، اهـ من «الميزان» (4/514).

            ولا يفهم من كون الحاكم عدّ شعبة في «المعرفة» (ص:106) في النوع السادس والعشرين فيمن روى عن قوممنالمجهولين، أن شعبة لا ينتقي؛ لأنه ما من إمام انتقى، إلا ووجد في مشايخه من لا يصح الاحتجاج به، إلا أن ذلك في الغالب، ولو قصد الحاكم أن شعبة لا ينتقي كما يظهر من سياق كلامه، حيث عده في جماعة لا ينتقون -؛ فهو متعقَّب بالنصوص السابقة عن الأئمة، والله أعلم.

·       طاوس بن كيسان الأبناوي الحميري مولاهم؛ أبو عبدالرحمن -:

            جاء في «مقدمة صحيح مسلم» (1/44-45): قال سليمان بن موسى: لقيت طاوساً فقلت: حدثني فلان: كيْت وكيْت، قال: إن كان ملياً فخذْ عنه وفي رواية: إن كان صاحبك ملياً فخُذْ عنه اهـ، أي: إن كان صاحبك ثقة حافظاً فخذْ عنه.

            وانظر كلام البيهقي في «المعرفة» (1/81) وكلام النووي (1/44-45).

            وما كان طاوس ليأمر صاحبه بذلك، ثم يترخص لنفسه في الرواية عن الضعفاء، والله أعلم.

 

·       طلحة بن نافع أبو سفيان الإسكاف، نزل مكة:

            ذكر الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص:103) في النوع السادس والعشرين، في معرفة المدلسين، أنه ممن لا يدلس إلا عن الثقات، الذين هم في الثقة مثله، أو فوقه، أو دونه، إلا أنهم لم يخرجوا من عداد الذين يقبل أخبارهم...، اهـ بمعناه.

            إلا أن في النفس شيئاً من ذلك؛ لأنه ضم إليه قتادة، وقتادة معروف أنه حاطب ليل، كما قال الشعبي، فينظر، والله أعلم.

·       عامر بن شراحيل الشعبي الحميري أبو عمرو الكوفي -:

             قال ابن معين: إذا حدث عن رجل فسماه، فهو ثقة يحتج بحديثه، وقال العجلي: لا يكاد الشعبي يرسل إلا صحيحاً، اهـ من «تهذيب التهذيب» (5/67) وفي حاشية «تهذيب الكمال» (8/13) الحاشية رقم (4): وقال ابن خُلفون في كتاب «الثقات»: قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا روى الحسن والشعبي عن رجل، فسمياه، فهو ثقة يحتج بحديثه.

            قال: نقله مغلطاي، واختصره ابن حجر، اهـ.

            وفي «فتح المغيث» (2/42) ذكر في «الحاشية» رقم (4) أن السخاوي زاد في جملة من يروون عن ثقة إلا في النادر: الشعبي، وقال: هذا في بقية النسخ، اهـ.

            وليس للشعبي ذكر في أصل الكتاب المطبوع الذي وقفت عليه.

            وفي «شرح علل الترمذي» (1/377) قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفاً؟ إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، - وهؤلاء أهل العلم فهو غير مجهول، قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك ابن حرب وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين، قال ابن رجب: وهذا تفصيلٌ حسن... اهـ. فهذا يدل على أن الشعبي ممن ينتقي، والله أعلم.

·       عبدالله بن أحمد بن حنبل يرحمهما الله -:

            قد سبق الكلام على ذلك في ترجمة أبيه أحمد بن محمد بن حنبل يرحمه الله تعالى .

            وزد على ذلك ما جاء في «تعجيل المنفعة» (ص:258) ترجمة عبدالرحمن بن المعلم أبي مسلم -: قال الحسيني: روى عنه عبدالله بن أحمد حديثاً واحداً، لا يُدري من هو.

قال الحافظ: قلت: ما كان عبدالله يكتب إلا عمن أذن له أبوه في الكتابة عنه، فهذا القدر يكفي في التعريف به، اهـ.

            وفي (ص:355) ترجمة الليث بن خالد البلخي أبي بكر -: عنه عبدالله بن أحمد وأبو حاتم، قال الحسيني: فيه نظر، قال الحافظ: وقال في «الإكمال»: لا يكاد يُعرف، قلت: وقد كان عبدالله بن أحمد لا يكتب إلا عمن يأذن له أبوه بالكتابة عنه، ولهذا كان معظم شيوخه ثقات، وإني لأعجب من إغفال ابن حبان ذكر هذا في ثقاته، اهـ.

            وقد ذكر ابن عدي في «الكامل» (1/145) أنه لم يكتب عن أحد إلامنأمره أبوه أن يكتب عنه، اهـ.

·       عبدالله بن ذكوان القرشي أبو عبدالرحمن المدني، المعروف بأبي الزناد:

            جاء في مقدمة «صحيح مسلم» (1/46) قال أبو الزناد: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله اهـ.

وفي هذا دليل على أنّ أبا الزناد ينتقي في الجملة، ولا يلزم من هذا القول أنَّ مشايخه نقاوة، لأنَّ الرجل قد لا يكون مخلطاً، ومع ذلك فلا يُحتجّ به، إلا أنَّ هذا القول يقوي في النفس أنَّ أبا الزناد عنده أصل الانتقاء، والله أعلم.

·       عبدالله بن سعيد بن أبي هند، قال أحمد:

ما أحسن حديثه وأصحه اهـ من «سؤالات أبي داود لأحمد» (ص:213) برقم (175).

·       عبدالله بن عون بن أرطبان أبو عون البصري -:

            جاء في «شرح علل الترمذي» (1/355) قال ابن رجب: قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: تعرف أحداًمنالتابعين كان ينتقي الرجال، كما كان ابن سيرين ينتقيهم؟ فقال برأسه أي: لا -.

            قال يعقوب: سمعت عليى بن المديني يقول: كان ممن ينظر في الحديث، ويفتش عن الإسناد، ولا نعرف أحداً أول منه: محمد بن سيرين، ثم كان أيوب، وابن عون، ثم كان شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد، وعبدالرحمن، قلت لعلي: فمالك بن أنس؟ فقال: أخبرني سفيان بن عيينة، قال: ما كان أشد انتقاء مالك للرجال، اهـ.

فهذا يدل على انتقاء ابن عون، حيث عده في جملة جماعة عُرفوا بذلك، والله أعلم.

·       عبدالله بن المبارك بن واضح أبو عبدالرحمن الحنظلي مولاهم -، - رحمة الله -:

            قال المسيب بن واضح: سمعت ابن المبارك، وقيل له: الرجل يطلب الحديث لله، يشتد في سنده؟ قال: إذا كان لله؛ فهو أولى أن يشتد في سنده، اهـ من «النبلاء» (8/399).

            وفي (8/403) قال الذهبي: وعن ابن المبارك قال: في صحيح الحديث. شغل عن سقيمه، اهـ.

            وفي (8/404) قال: روى المسيب بن واضح أنه سمع ابن المبارك، وسأله رجل عمن يأخذ؟ فقال: قد يلقى الرجل ثقةً، وهو يحدث عن غير ثقة وقد يلقى الرجل غير ثقة، يحدث عن ثقة، ولكن ينبغي أن يكون ثقة عن ثقة اهـ، فهذا كله يدل على تحريه يرحمه الله -، إلا أن المسيب لا يحتج به.

            ومن نظر في شيوخه علم أن منهم عدداً كبيراً من الأئمة المشاهير والثقات، وإن وُجد فيهم من يتكلم فيه، فلم يسلم من ذلك غيره، ولم أجد من صرح بأنه ممن يروي عن كل واحد، إلا ما جاء في «الجرح والتعديل» (1/270) قال أبو حاتم: سمعت نعيم بن حماد يقول: كان ابن المبارك لا يترك حديث الرجل، حتى يبلغه عنه الشيء الذي لا يستطيع أن يدفعه، اهـ.

            فهذا بظاهره يدل على أنّه يروي عن الضعفاء، إنّما يتجنب من اشتهر ضعفه أو جرحه، وهذا خلاف التحري، إلا أنَّ نعيماً نفسه فيه كلام، فهل يُقبل منه هذا النقد؟ ولو قبلنا كلامه، فلعله محمول على أنَّ ابن المبارك كان يقبل حديث الضعيف المختلف فيه، أمّا إذاظهر ضعفه ترك حديثه، سواء كان الضعف خفيفاً أو شديداً.

            وإذا كان كذلك احتمل قول نعيم أن يكون مدحاً؛ لأنّه ما من إمام وُصف بالتحري، إلا وقد روى عمَّن اشتهر ضعفه، فضلاً عن الذين اختلف فيهم، وهذا الذي يتفق مع النصوص السابقة ومع مكانة ابن المبارك، الذي لُقِّب بأمير المؤمنين في الحديث، ولُقِّب بالطبيب، وكان المحدثون إذا اختلفوا في حديث رجعوا إليه، ومع ما اشتهر به ابن المباركمنالورع في الرواية، والله تعالى أعلم.

            وقد جاء في «مقدمة صحيح مسلم» (1/57) ب/ الكشف عن معايب رواة الحديث....

            قال عبدالله بن المبارك: بقية صدوق اللسان، لكنّه يأخذ عمن أقبل وأدبر. اهـ.

            وكونه ينكر على بقية ذلك، دلّ على أنّه لم يقع فيما وقع فيه بقية، وفي الباب أقوال أخرى تدل على تحاشيه مجالس المطعون فيهم، والله أعلم.

            وعلى ذلك فقول النسائي في «التمهيد» (1/63): وكذلك ابن المباركمنأجلّ أهل زمانه، إلا أنّه يروي عن الضعفاء يُحمل على أنّه مع انتقائه، فقد روى عن ضعفاء، إمّا لأنّ ذلك في أول أمره، أو لأسباب أخرى سبقت في السؤال السابق، لأنَّ ابن المبارك جاء أنّه قال: يكتب الحديث إلا عن أربعة: غلاط لا يرجع، وكذّاب، وصاحب بدعة (هوى)، يدعو إلى بدعته، ورجل لا يحفظ، فيحدث من حفظه اهـ.من«الكفاية» (ص:227) فهذا يدل على انتقائه، والله أعلم.

·       عبدالرحمن بن مهدي بن حسان العنبري أبو سعيد البصري -:

            قال الخطيب في «الكفاية» (ص:154): إذا قال العالم: كل من أروي لكم عنه، وأسميه، فهو عدل رضا مقبول الحديث، كان هذا القول تعديلاً منه لكل من روى عنه وسماه، وقد كان ممن سلك هذه الطريقة عبدالرحمن بن مهدي، اهـ ووصفه بتنقي الرجال الذهبيُّ في «الميزان» (2/549) ترجمة عبدالرحمن بن بديل.

            وقد جاء في «النبلاء» (7/162) خلاف ذلك، كما في ترجمة معاوية بن صالح بن حُدير الأندلسي، فقد قال الليث بن عبدة: قال يحيى بن معين: كان عبدالرحمن بن مهدي إذا حدث بحديث معاوية بن صالح زَبَره يحيى بن سعيد، وقال: أيْش هذه الأحاديث؟! وكان عبدالرحمن لا يبالي عمن روى، ويحيى ثقة في حديثه، اهـ، قلت: وما قاله ابن معين إن صح إليه فمحمول على ما كان من ابن مهدي في أول امره، فقد قال أحمد: كان عبدالرحمن أولاً يتسهل في الرواية، ثم تشدد بعدُ -، كان يروي عن جابر يعني: الجعفي ثم تركه، اهـ من «الكفاية» (ص:154)، وانظر «فتح المغيث» (2/36)، و«التدريب» (1/373).

            وفي «شروط الأئمة» لابن منده (ص:82): قال أبو موسى محمد بن المثنى: قال لي أبن مهدي: يا أبا موسى! أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد، قلت: يا أبا سعيد! هم يقولون: أنك تحدث عن كل أحد، قال: عمن أحدث؟ فذكرت له محمد بن راشد، فقال: احفظ عني؛ الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يُختلف فيه، وآخر يهم، والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك؛ لأنَّه لو ترك حديث هذا لذهب حديث الناس، وآخر يهم، والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك، اهـ.

            وفي «سؤلات أبي داود لأحمد» (ص:198) برقم (137): قال أبو داود: قلت لأحمد: إذا روى يحيى أو عبدالرحمن بن مهدي عن رجل مجهول يحتج بحديثه؟ قال: يحتج بحديثه، اهـ.

·       علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبو الحسن بن المديني بصري:

            جاء في «الجرح والتعديل» (7/73) ترجمة فضيل بن سليمان النميري: سئل أبو زرعة عن فضيل بن سليمان؟ فقال: لين الحديث، روى عنه عليّ بن المديني، وكان من المتشددين، اهـ - أي: من المتشددين في الرواية عن الشيوخ، فلا يروى إلا عمن يرضاه -، وانظر ما قاله أبو زرعة أيضاً، في «تهذيب التهذيب» (8/292) ترجمة فضيل بن سليمان.

وفي «تهذيب التهذيب» (9/114) ترجمة محمد بن الحسن بن آتش:

            قال النسائي: ليس بثقة، وقال أحمد بن صالح: هو ثقة، قال الحافظ: وكلام النسائي فيه غير مقبول؛ لأن أحمد وعليّ بن المديني لا يرويان إلا عن مقبول، مع قول أحمد بن صالح فيه، اهـ، وكلام القطان في «الجرح والتعديل» (8/31) ترجمة محمد بن عمرو بن علقمة، يدل على انتقاء علي بن المديني.

·       القاسم بن عبيدالله بن عبدالله بن عمر أبو محمد المدني -:

جاء في «سنن الدارمي» (1/48) ب/ التورع عن الجواب.

فيما ليس فيه كتاب ولا سنة: أخبرنا محمد بن كثير عن سفيان بن عيينة عن يحيى، قال: قلت للقاسم: ما أشدّ عَلَيَّ أن تُسأل عن الشيء ولا يكون عندك، وقد كان أبوك إماماً، قال: إنّ أشدّ من ذلك عند الله وعندمنعقل عن الله: أن أُفتي بغير علم، وأروي عن غير ثقة. اهـ.

وانظره في «مقدمة صحيح مسلم» (1/50-51) ب/ الكشف عن معايب رواة الحديث...، ولفظ مسلم أتم وأوضح، والله أعلم.

·       الليث بن سعد بن عبدالرحمن الفهمي أبو الحارث المصري -:

            ذكر الحاكم في «المستدرك» (4/250-251) حديثاً في ك/ التوبة والإنابة، من رواية الليث بن سعد بن سليمان بن هرم عن محمد بن المنكدر عن جابر؛ مرفوعاً...، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، فإن سليمان بن هرم العابد من زهّاد أهل الشام، والليث بن سعد لا يروي عن المجهولين، اهـ.

وقد ذكر ذلك الحافظ في «لسان الميزان» (3/109) ترجمة سليمان بن هرم.

·       مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبدالله المدني، إمام دار الهجرة-:

            قال ابن عدي في «الكامل» (5/1769) ترجمة عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب : وروى عنه مالك، وهو عندي لا بأس به؛ لأن مالكاً لا يروي إلا عن ثقة أو صدوق، اهـ.

            وفي (نصب الراية» للزيلعي (2/459) ك/ الصوم: وقال النسائي: لا نعلم مالكاً روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف، إلا عاصم بن عبيدالله؛ فإنه يروي عنه حديثاً، وعن عمرو بن أبي عمرو، وهو أصلح من عاصم، وعن شريك بن أبي نمر، وهو أصلح من عمرو، ولا نعلم أن مالكاً حدث عن أحد يُترك حديثه إلا عبدالكريم بن أبي المخارق البصري، اهـ.

            وفي «شرح علل الترمذي» (1/377) قال أحمد في رواية أبي زرعة -: مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يُعْرف، فهو حجة.

            وقال في رواية ابن هانئ: ما روى مالك عن أحد، إلا هو ثقة، كل من روى عن مالك فهو ثقة، وقال الميموني: سمعت أحمد غير مرة يقول: كان مالك من أثبت الناس، ولا تبال أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك، ولا سيما مدني، قال الميموني: وقال لي يحيى بن معين: لا تريد أن تسأل عن رجال مالك، كلمنحدث عنه ثقة، إلا رجلاً أو رجلين، اهـ.

            وفي «مقدمة صحيح مسلم» (1/79) بشرح النووي ب/ الكشف عن معايب رواة الحديث ونقلة الأخبار: قال بشر بن عمر: .... وسألته يعني: مالكاً عن رجل آخر، نسيت اسمه، فقال: هل رأيته في كتبي؟ قلت: لا، قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي، اهـ.

            قال النووي: هذا تصريح من مالك يرحمه الله -، بأن من أدخله في كتابه، فهو ثقة، فمن وجدناه في كتابه حكمنا بأنه ثقة عند مالك، وقد لا يكون ثقة عند غيره، اهـ - قلت: وكذلك مشايخ مالك الذين لم نجدهم في كتابه، فنصوص الأئمة تدل على مدحهم، والله أعلم، وانظر سؤال بشر بن عمر لمالك في «التمهيد» (1/68) وقد صرح الحافظ في مقدمة «تهذيب التهذيب» (1/4-5) أنَّ مالكاً ممن عُرف من حاله أنَّه لا يروي إلا عن ثقة، اهـ، وانظر ترجمة عمرو بن أبي عمر مولى المطلب -، من «تهذيب التهذيب» (8/83).

            وفي (9/304) ترجمة محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب: قال أحمد: ابن أبي ذئب كان يُعدّ صدوقاً أفضل من مالك، إلا أن مالكاً أشد تنقية للرجال منه، كان ابن أبي ذئب لا يبالي عمن يحدث، اهـ.

            وقال يحيى بن معين: وكل من روى عنه مالك ثقة، إلا عبدالكريم أبا أمية -، اهـ من «تهذيب التهذيب» (9/304).

            وفي «التمهيد» (1/60): قال ابن عبدالبر: ومن اقتصر على حديث مالك يرحمه الله -، فقد كُفي تعب التفتيش والبحث، ووضع يدهمنذلك على عروة وثقى لا تنفصم؛ لأنَّ مالكاً قد انتقد واتقى، وخلص، ولم يروِ إلا عن ثقة حجة...، اهـ. وانظر ما قاله أيضاً في (1/65).

            وقد قال النسائي: وما أحد عندي بعد التابعين أنبل من مالك بن أنس، ولا أجل ولا آمن على الحديث منه، ثم شعبة في الحديث، ثم يحيى بن سعيد القطان، وليس بعد التابعين آمن من هؤلاء الثلاثة، ولا أقل رواة عن الضعفاء، اهـمن«التمهيد» (1/63).

            وقال ابن مهدي: ما أقدَِّم على مالك في صحة الحديث أحداً، اهـ من «التمهيد» (1/65)، وانظر (1/65-69).

            لكن قال القطان: مالك عن سعيد بن المسيب، أحب إليّ من الثوري عن إبراهيم؛ لأنَّه لو كان شيخ الثوري فيه رمق لبرح به وصاح، وقال مرة أخرى: كلاهما عندي شبه الريح، اهـ.

            فقول القطان: كلاهما عندي شبه الريح، إمّا أنَّه مقيد بحديث ما، وإلا فما سبق يرد عليه، والله تعالى أعلم.

·       محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع المطلبي المكي أبو عبدالله الشافعي الإمام:

            جاء في «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (1/81):

قال الشافعي: وكان ابن سيرين وإبراهيم النخعي وغير واحدمن التابعين يذهب هذا المذهب، في أن لا يقبل إلا ممن عرف.

            قال: وما لقيت ولا علمت أحداً من أهل العلم بالحديث يخالف هذا المذهب، اهـ.

            قالت: وما كان الشافعي يرحمه الله على مكانته العلية، ورتبته المنيفة لِيُخالف مذهب العلماء في زمانه وقبل زمانه، لكن يرد عليه أن هناك من وُصف بعد الانتقاء، وهم في طبقة شيوخ أو شيوخ شيوخ الشافعي، والله أعلم.

            فإن قيل: إنه روى عن الأسلمي، قلت: غالب من وُصِفوا بالانتقاء يروون عن غير مرضي، والشافعي له تأويل في روايته عن الأسلمي، والله أعلم.

(تنبيه): سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة محمد بن مسلم بن عبيدالله بن شهاب الزهري، كلام للشافعي يدل على انتقاء الشافعي، والله أعلم.

·       محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة أبوبكر السلمي النيسابوري الشافعي -:

            قال العلامة المعلمي يرحمه الله في «التنكيل» (ص:415) ترجمة إسماعيل بن بشر بن منصور: وكذلك روى عنه ابن خزيمة مع تثبته، اهـ.

            وفي (ص:697) ترجمة محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: (وروى عنه) ابن خزيمة، وهو لا يروي في «صحيحه» إلا عن ثقة، اهـ.

            قلت: وقد صرح ابن خزيمة في «كتاب التوحيد» (1/11) في مقدمة كتابه، بأنه سيذكر ما صح وثبت عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأسانيد الثابتة الصحيحة، بنقل أهل العدالة؛ موصولاً إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم...، اهـ.

            قال الذهبي في «النبلاء» (14/373): وابن خزيمة يرحمه الله كان جهبذاً بصيراً بالرجال... فذكر رجالاً لم يحتج بهم ابن خزيمة، وإن كان قد احتج ببعضهم في «كتاب التوحيد».

            وعلى كل حال فابن خزيمة ممن له معرفة بالرجال، فإذا اشترط إخراج الصحيح من الحديث؛ فإنه سيعتني بذلك على حسب فهمه لشروط الصحة وقد قال السلمي: سألت الدارقطني عن الأزهري؛ فقال: هو أحمد بن محمد بن الأزهر بن حريث، سجستاني، منكر الحديث، لكنه بلغني أن ابن خزيمة حسن الرأي فيه، وكفى بهذا فخراً اهـ من «الميزان» (1/131-132) ترجمة أحمد بن محمد أن الأزهر، والله أعلم.

·       محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة أبو عبدالله البخاري صاحب «الصحيح»:

            قال الترمذي في «الجامع» (2/199): ب/ ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسياً: وقال محمد بن إسماعيل: ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه؛ لأنَّه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا، فلا أروي عنه شيئاً، اهـ.

            وقد نقل العلامة المعلمي يرحمه الله هذا في «التنكيل» ترجمة أحمد بن عبدالله أبي عبدالرحمن العكي، ثم قال: وقوله: كل من كان مثل هذا، فلا أروي عنه شيئاً، يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة، وإذا لم يروِ عمن كان كذلك بواسطة، فلأن لا يروي عنه بلا واسطة أولى؛ لأنَّ المعروف عن أكثر المتحفظين؛ أنَّهم إنما يتقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة، وكثيراً مما يروون عن متقدمي الضعفاء بواسطة.

            قال: وهذه الحكاية تقتضي أن يكون البخاري لم يرو عن أحد؛ إلا وهو يرى أنَّه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه، وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقاً في الأصل، فإنَّ الكذاب لا يمكن أن يَعْرِف صحيح حديثه، فإن قيل: قد يُعْرَف بموافقته الثقات.

            قلت: قد لا يكون سمع، وإنّما سرق من بعض أولئك الثقات، ولو اعتد البخاري بموافقة الثقات؛ لروى عن ابن أبي ليلة، ولم يقل فيه تلك الكلمة، فإنَّ ابن أبي ليلى عند البخاري وغيره صدوق، وقد وافق الثقات؛ في كثير من أحاديثه، ولكنّه عند البخاري كثير الغلط، بحيث لا يؤمن غلطه، حتى فيما وافق عليه الثقات، وقريب منه مَنْ عُرف بقبول التلقين؛ فإنَّه قد يُلقّن من حديث شيوخه ما حدثوا به، ولكنّه لم يسمعه منهم، وهكذا من يحدث على التوهم؛ فإنَّه قد يسمعمنأقرانه عن شيوخه، ثم يتوهم أنَّه سمعها من شيوخه، فيرويها عنهم، قال: فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الراوي من شيوخه، لا تحصل بمجرد موافقة الثقات؛ وإنّما يحصل بأحد أمرين:

            إمّا أن يكون الراوي ثقة ثبتاً، فيعرف صحيح حديثه بتحديثه، وإمّا أن يكون صدوقاً يغلط، ولكن يمكن معرفة ما لم يضبط فيه بطريق أُخرى، كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاصاً بجهة، كيحيى بن عبدالله بن بكير، روى عنه البخاري، وقال في «التاريخ»: ما روى يحيى بن عبدالله بن بكير في التاريخ، فإني أتقيه، ونحو ذلك.

            فإن قيل: قضية الحكاية المذكورة، أن يكون البخاري التزم أن لا يروي إلا ما هو عنده صحيح؛ فإنَّه إن كان يروي ما لا يرى صحته، فأي فائدة في تركه الرواية عمن لا يدري صحيح حديثه من سقيمه؟ لكن كيف تصح هذه القضية، مع أنَّ في كتب البخاري غير «الصحيح» أحاديث غير صحيحة، وكثير منها يحكم هو نفسه بعدم صحتها؟.

            قلت: أما ما نبَّه على عدم صحته، فالخطب فيه سهل، وذلك بأن يُحمل كونه لا يروي ما لا يصح، على الرواية بقصد التحديث أو الاحتجاج، فلا يشمل ذلك ما يذكره ليبيِّن عدم صحته، ويبقى النظر فيما عدا ذلك.

            وقد يقال: إنَّه إذا رأى أنَّ الراوي لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه، تركه البتة، ليعرف الناس ضعفه مطلقاً، وإذا رأى أنَّه يمكن معرفة صحيح حديثه من سقيمه في باب دون باب، ترك الرواية عنه في الباب الذي لا يعرف فيه، كما في يحيى بن بكير، وأما غير ذلك؛ فإنّه يروي ما عرف صحته، وما قاربه أو أشبهه، مبيَّناً الواقع بالقول أو الحال، والله أعلم، اهـ (ص:320-322)، وانظر خلاف عن المعلمي في تحقيقه لـ «الفوائد المجموعة» (ص: 354) ط/ السنة المحمدية سنة 1978م عن الحديث رقم (53).

            وفي «هدي الساري» (ص:479): قال الحافظ: ذِكْرُ مراتب مشايخه أي البخاري الذي كتب عنهم، وحدث عنهم: قد تقدم التنبيه على كثرتهم، وعن محمد بن أبي حاتم عنه قال: كتبت عن ألف وثمانين نفساً، ليس فيهم إلا صاحب حديث، وقال أيضاً -: لم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل، اهـ.

            فهذا القول من البخاري يرحمه الله -، يدل على أنَّ مشايخه جياد عنده، ولا يليق حصر ذلك بمشايخه في «الصحيح»؛ لأن عدة مشايخه في «الصحيح» (322) شيخ، كما ذكره أخونا الفاضل أبو عمير مجدي بن محمد بن عرفات سلمه اللهمنكل سوء في رسالته: «إسعاف القاري بمعجم شيوخ الإمام البخاري» فأين هذا العدد من ألف وثمانين شيخاً؟! وقد قال أبو عمرو الخفاف: حدثنا التقِيُّ النقِيُّ العالم الذي لم أرَ مثله: محمد بن إسماعيل...، اهـ من «تهذيب التهذيب» (9/54) وقد قال التاهنوي في «قواعد في علوم الحديث» (ص:223): وكذا كل من ذكره البخاري في «تواريخه»؛ ولم يطعن فيه، فهو ثقة، فإن عادته ذكر الجرح والمجروحين، قاله ابن تيمة، اهـ قال المحقق: إذا أُطلق ابن تيمة؛ فيراد به شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبدالحليم يرحمه الله تعالى -، وقائل هذا الكلام هو: أبو البركات مجد الدين عبدالسلام بن عبدالله بن تيمية، المتوفَّى سنة (652)هـ، وهو جد شيخ الإسلام ابن تيمية.

            قال: ونص عبارة الشوكاني: قال ابن القيم في «الهدى» (1/269): وفي إسناده عكرمة بن إبراهيم، وقد أعله البيهقي بانقطاعه عنه، وتضعيفه عكرمة، قال أبو البركات ابن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإنَّ البخاري ذكره في «تاريخه» ولم يطعن فيه، وعادته ذِكر الجرح والمجروحين، انتهى.

            قال: وهذا التوثيق ضمنيٌّ لا صريح، كما هو ظاهر وقد مشى على هذا أيضاً الحافظ ابن حجر في «تعجيل المنفعة»؛ فتراه يقول في كثير من المواضع: ذكره البخاري، ولم يذكر فيه جرحاً، انظر منه (ص:219، 223، 225، 254)...، اهـ.

            قلت: الذي يظهر لي أنَّ في هذا توسعاً، وأنَّه لا يلزم من سكوت البخاري وغيره عن الراوي؛ عدم الطعن فيه، لاحتمال أنَّهم لم يقفوا فيه على شيء، وانظر ما كتبه عداب الحمش في «رواة الحديث الذي سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل»، فقد جعل لذلك فصلاً مستقلاً، وأشار إلى أنَّ سكوت البخاري عن بعض الرواة: إما لاشتهار ثقتهم، أو لاشتهار ضعفهم، أو لعدم معرفته بهم، وذكر أمثلة لكل نوعمنذلك، وذكر هذا عن الأئمة لا عن البخاري فقط، انظر (ص: 35-38) والفصل الثالث (ص:171-250).

            ومما يدل على انتقاء البخاري، قول أبي عمرو الخفاف: حدثنا التقيّ النقيّ العالم الذي لم أرَ مثله: محمد بن إسماعيل...، اهـ من «تهذيب التهذيب» (9/54).

وفي «الميزان» (1/106) ترجمة أحمد بن عاصم البلخي: ذكره ابن أبي حاتم، وبيض له، مجهول.

            قلت: بل هو مشهور، روى عنه البخاري في «الأدب»، اهـ.

·       محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري أبو جعفر صاحب «التفسير»:

            له كتاب «تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الأخبار» وفي الجزء الخاص بمسند علي رضي الله عنه (ص:271) قال:

            فإن قال قائل: ما أنت قائل في هذه الأخبار التي رويتها لنا؟ فإن قلت: إنها صحاح، قلنا لك: فما وجه اختلاف رواتها...؟

            وإن قلت: إنها غير صحاح، قيل: فما وجه ذكرك لها، وقد شرطت لنا في أول كتابك هذا أنّك لا ترسم لنا فيه إلا ما كان عندك صحيحاً؟

            قال: قيل: أما الأخبار التي ذكرناها؛ فإنَّ منها عندنا صحاحاً، ومنها غير صحاح، ولم نذكر ما كان منها عندنا غير صحاح استشهاداً به على دين، ولا على الوجه الذي شرطنا في أول كتابنا هذا ترك ذكره فيه، هو ما لا نراه في الدين حجة، إلا الحكاية عمن احتج به في توهين خبر، أو تأييد مقالة، هو بها قائل عند ذكرنا مقالته، وما اعتُل به لها...، اهـ.

            وفي الجزء الخاص بمسند ابن عباس (1/531) بنحو هذا، إلى أن قال: وأما إحضارنا ذكره في كتابنا هذا، فلشرطنا في كتابنا هذا؛ أنّا إذا ذكرنا خبراً من أخبار رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبنَّا عن حاله: أهو مما انفرد به، أم هو مما وافقه عليه غيره، ولم نشترط في سند الموافق أو المخالف ما شرطناه في خبر الذي نذكر خبره عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أصحابه،منأن لا نحضر كتابنا هذا منه إلا ما صح عندنا، اهـ.

            فهذا يدل على أنه ينتقي في رجال أحاديثه التي يوردها على وجه الاحتجاج في هذا الكتاب، كأن يذكر حديث ابن عباس في مسنده، ويذكر شواهد له من حديث صحابة آخرين، فإنَّه ينتقي في رجال حديث ابن عباس، دون رجال أحاديث الصحابة الآخرين، على أنه لا يلزم من الانتقاء في الحديث الانتقاء في الرجال، كما لا يخفى، لكنه فيه انتقاء في الجملة والله أعلم.

·       محمد بن حبان بن أحمد بن حبان أبو حاتم التميمي البستي السجستاني صاحب «صحيح ابن حبان»:

            شيوخه في «الصحيح» جياد، فقد قال في مقدمة «صحيحه»: ولعلّنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ، من إسبيجاب إلى الإسكندرية، ولم نروِ في كتابنا هذا إلا عن مائة وخمسين شيخاً، أقل أو أكثر، ولعل معوَّل كتابنا هذا يكون على نحو عشرين شيخاً ممن أدرنا السنن عليهم، واقتنعنا بواياتهم عن رواية غيرهم، على الشرائط التي وصفناها...، اهـ (1/152).

وقد سبق تفصيل ذلك في نهاية السؤال (201) فارجع إليه.

·       محمد بن داود بن صُبيح أبو جعفر المصيصي:

            قال الآجري: سمعت أبا داود يقول: كان محمد بن داود بن صُبيح يتفقد الرجال، ولم يكتب عن أبي كريب لحال المحنة، ولم يحدث عن سعدويه ولا عن أبي نصر التمار، وما رأيت رجلاً قط أعقل من محمد بن داود، اهـ من «سؤالات الآجري» (2/253-254) برقم (1758).

·       محمد بن سيرين أبوبكر الأنصاري البصري:

            سبق في ترجمة إبراهيم بن يزيد النخعي، وترجمة سعيد بن المسيب، قول ابن عبدالبر: فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح... اهـ. من «التمهيد» (1/30)، وهذا معناه أنَّهم لما أُوقفِوا ذكروا ثقات، أو أنها قُتَِّشَت فَوُجدت أنَّها جاءت عن ثقات.

            وقد قال ابن معين عندما سأله يعقوب بن شيبة: متى يكون الرجل معروفاً، إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول...، اهـ من شرح علل الترمذي» (1/377).

            وقد صرح الشافعي بأنه لا يروى إلا عمن عرف، انظر «المعرفة» للبيهقي (1/81) والكفاية للخطيب (ص:210).

            وهو القائل يرحمه الله: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنْظَر إلى أهل السنة، فيُؤْخَذ حديثهم، ويُنْظَر إلى أهل البدع، فلا يُؤْخَذ حديثهم، اهـ، من «مقدمة مسلم» (1/44).

            وهو القائل: إنّ هذا الأمر دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، وقد عدّه غير واحد بأنّه أول من انتقى وانتقد، انظر «شرح علل الترمذي» (1/355).

·       محمد بن عبدالرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري أبو الحارث المدني:

            جاء في «تهذيب التهذيب» (9/304-305) قال ابن معين: ابن أبي ذئب ثقة، وكل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة، إلا أبا جابر البياضي، وكل من روى عنه مالك ثقة، إلا عبدالكريم أبا أمية، وقال أبو داود: سمعت أحمد بن صالح يقول: شيوخ ابن أبي ذئب كلهم ثقات، إلا البياضي، اهـ.

            إلا أنّهما خولفا في ذلك، فقد قال أحمد: ابن أبي ذئب كان يُعدّ صدوقاً أفضل من مالك، إلا أنَّ مالكاً أشد تنقية للرجال منه، كان أبن أبي ذئب لا يبالي عمن يحدث، اهـ. من «تهذيب التهذيب» (9/304) وانظره في «سؤالات أبي داود لأحمد» (ص:218-219)، وفي «تهذيب التهذيب» (9/307) قال الخليلي: ثقة أثنى عليه مالك، فقيه من أئمة أهل المدينة، حديثه مخرج في الصحيح، إذا روى عن الثقات، فشيوخه شيوخ مالك، لكنّه قد يروي عن الضعفاء، اهـ.

            وقول الخليلي: فشيوخه شيوخ مالك... إلخ يدل على أنّ ابن أبي ذئب كان أحياناً يحدث عن الضعفاء، وهذا قريب من قول يحيى وأحمد بن صالح، فإن أنكر شيخ عنده هو البياضي، ولا يمنع أن يكون عنده آخرون متكلَّم فيهم، شأنه في ذلك شأن غيره، وعلى هذا فإدخاله هنا عندي أولى من إدخاله فيمن لا ينتقون، ويُحمل قول أحمد على ما قال الخليلي، أو لعل أحمد رأى روايته عن البياضي، فقال ما قال، والله أعلم.

·       محمد بن المنكدر بن عبدالله بن الهدير أبو عبدالله التيمي:

            جاء في «تهذيب التهذيب» (9/474-475): قال ابن عيينة: ما رأيت أحداً أجدر أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يُسأل عمن هو، من ابن المنكدر، قال الحافظ: يعني لتحريه، اهـ.

            يعني أن طلب الإسناد من الدين، لكن إذا كان الشيخ الذي يحدث ناقداً بصيراً، وعُلم من حاله الانتقاء، فإنه يكفي السامع مؤنة النظر فيمن فوقه، والله تعالى أعلم.

·       محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب الزهري أبوبكر المدني:

            جاء في «تهذيب التهذيب» (12/5) ترجمة أبي الأحوص مولى بني ليث:

            روى عنه الزهري وحده، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، قال الحافظ: قلت: قال ابن عبدالبر: قد تناقض ابن معين في هذا، فإنَّه سئل عن ابن أكيمة، وقيل له: إنَّه لم يرو عنه غير ابن شهاب، فقال: يكفيه قول ابن شهاب: حدثني ابن أكيمة، فيلزمه مثل هذا في أبي الأحوص، اهـ.

            وفي «تهذيب التهذيب» (7/411) ترجمة عمارة بن أكيمة الليثي، قال ابن عبدالبر في باب: من لم تشتهر عنه الرواية، واحتُملت روايته لرواية الثقات عنه، ولم يغمز: ابن أكيمة الليثي، قال يحيى بن معين: كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث عن سعيد بن المسيب...، اهـ.

            وفي «الرسالة» للشافعي (ص:469-470) قال: وابن شهاب عندنا إمام في الحديث والتخيير([3]) وثقة الرجال، إنما يُسمّى بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم خيار التابعين، ولا نعلم محدثاً يُسمِّى أفضل ولا أشهر ممن يحدث عنه ابن شهاب، فأنَّى تُراه أُتِي في قبوله عن سليمان بن أرقم؟ رآه رجلاًمنأهل المروءة والعقل، فقبل عنه، وأحسن الظن به، فسكت عن اسمه: إما لأنَّه أصغر منه، وإما لغير ذلك، وسأله معمر عن حديثه عنه، فأسنده له، فلما أمكن في ابن شهاب أن يكون يروي عن سليمان، مع ما وصف به ابن شهاب، لم يُؤمن مثل هذا على غيره، اهـ.

            وقال ابن المبارك: حديث الزهري عندنا كأخذ باليد، اهـ من «الجرح والتعديل» (1/274) فهذا يدل على انتقاء الزهري، لكن يرد على ذلك أن البيهقي ذكر في «المعرفة» (1/81) أن الشافعي قال: قال سفيان: فقال سعد بن إبراهيم للزهري: من أبو الأحوص أي: الي يروي عنه الزهري حديثاً في الصلاة كالمغضب حين حدث الزهري عن رجل مجهول لا يعرفه، فقال له الزهري: أما رأيت الشيخ الذي كان يصلي في الروضة مولى بني غفار، فجعل الزهري ينعته له، وسعد لا يعرفه.

            قال البيهقي: وإنّما أراد الشافعي من هذا الحديث: مسألة سعد بن إبراهيم عن أبي الأحوص، وأنَّه لم يكتفِ في معرفته برواية الزهري عنه، اهـ.

            وفي «مناقب الشافعي» لابن أبي حاتم (ص:82) ساق سنده إلى أحمد بن أبي سريج، قال: سمعت الشافعي يقول: يقولون: يُحابي، فلو حابينا لحابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء، وذلك أنّا نجده روى عن سليمان بن أرقم، اهـ.

            وقد عُدَّ الزهري من المدلسين، والمدلسون في الغالب لا ينتقون، ويروون عن كل أحد، كما قال ابن حبان في «المجروحين» (1/92) في الجنس الثالث من أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها.

            وفي «تهذيب التهذيب» (9/451) ترجمة الزهري: وقال أحمد بن سنان: كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول: هو بمنزلة الريح، ويقول: هؤلاء قوم حفاظ، كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه، اهـ أي يعلق بذهنهم، ثم لا يذكرون من حدثهم بذلك، ويظنونهمنحديثهم، فيرسلونه، وهذا لا يلزم منه ضعف الشيخ الذي ذاكرهم بهذا الحديث، وجاء في «المعرفة والتاريخ» للفسوي (1/686): سمعت جعفر بن عبدالواحد الهاشمي، يقول لأحمد بن صالح: قال يحيى بن سعيد، مرسل الزهري شبه لا شيء، فغضب أحمد، وقال: ما ليحيى ومعرفة علم الزهري، ليس كما قال يحيى، اهـ.

            فالذي يظهر من مجموع هذا أن الزهري ينتقي فيمن يُظهر من المشايخ غالباً لا فيمن يُسقطهم إرسالاً أو تدليساً، وقد يسقط غير الضعيف أيضاً -، والله أعلم.

·       محمد بن الوليد بن عامر الزُّبَيْدي أو الهُدْيْل الحمصي:

قال أحمد: كان لا يأخذ إلا عن الثقات، اهـ من «تهذيب التهذيب» (9/503).

·       محمد بن يحيى بن عبدالله بن خالد بن فارس الذهلي النيسابوري:

            قال أبو قريش محمد بن جمعة: كنت في مجلس الصاغاني فحدث عن ابن حميد، فقلت: تحدث عن ابن حميد، فقال: وما لي لا أحدث عنه، وقد حدث عنه أحمد ويحيى، قال: وقلت لمحمد بن يحيى الذهلي: ما تقول في محمد بن حميد؟ قال: ألا تراني هوذاً أحدث عنه؟! اهـ من «تهذيب التهذيب» (9/128) ترجمة محمد بن حميد الرازي.

            فهذا يدل على أنَّ الذهلي ينتقي، وأنَّه لو كان الرازي عنده ليس أهلاً للرواية عنه، لما روى عنه، هذا مع أن الرازي فيه كلام شديد، والله أعلم.

·       مسلم بن الحجاج القشيري أبو الحسين النيسابوري:

            أما عن انتقائه في «الصحيح» فمشهور، وقد ترجم الذهبي لسعيد بن عبدالجبار القرشي الكرابيسي في «الميزان» (2/147) فقال: شيخُ مسلمٍ، فثقة، اهـ.

            وأما بقية كتبه ورواياته؛ فالظن بمسلم أنه ينتقي لشهرته في باب النقد، وسرده في مقدمة «الصحيح» روايات عن العلماء في ذم الرواية عن الضعفاء، وما كان لِيَذْكر ذلك ثم يخالفه، وإن كان في شيوخه من لا يُرْتَضَى، فله أسباب في الرواية عنه كغيره، والله أعلم.

·       منصور بن المعتمر بن عبدالله السلمي أبو عتَّاب الكوفي:

            جاء في «سؤالات الآجري لأبي داود» (1/185) برقم (131): سئل أبو داود عن جَهْم أي ابن دينار عن إبراهيم، فقال: روى منصور عن جهم، وروى عنه أشعث بن سوار، فقلت: هو من أصحاب إبراهيم؟ فقال: لا أدري، منصور لا يروي إلا عن ثقة، اهـ، وانظر «تهذيب التهذيب» (10/313) ترجمة منصور.

·       موسى بن هارون الحمال:

            قال ابن عدي: كان عالماً بعالي الحديث، متوقِّ، ولم يحدث إلا عن ثقة، اهـ. من «الكامل» (1/146).

·       هشيم بن بشير السلمي:

            ذكره قلعجي في مقدمة «الضعفاء الكبير» للعقيلي (1/28) فقال: هشيم بن بشير الذي كان متثبتاً، لا يروي إلا عمن ثبتت لديه عدالته، اهـ، ولم أقف علىمنصرح بذلك قبله، فينظر.

            أضف إلى ذلك أن هشيماً مدلس، والمدلسون غالباً لا ينتقون، والله أعلم.

·       الهيثم بن جميل البغدادي أبو سهل:

            قال عبدالله بن أحمد عن أبيه: كان أصحاب الحديث ببغداد: أبو كامل وأبو سلمة الخزاعي والهيثم بن جميل، وكان الهيثم أحفظهم، وأبو كامل أتقنهم، وحكى أبو طالب عن أحمد نحوه، وزاد: لم يكونوا يحملون عن كامل واحد، ولم يكتبوا إلا عن الثقات...، اهـ من «تهذيب التهذيب» (10/184) ترجمة مظفر بن مدرك الخراساني أبي كامل الحافظ.

·       وهيب بن خالد بن عجلان البصري أبوبكر:

            قال معاوية بن صالح بن أبي عبيدالله الدمشقي: قلت ليحيى بن معين: من أثبت شيوخ البصريين؟ قال: وهيب بن خالد، مع جماعة سماهم، وقال أبو حاتم: ما أنقى حديث وهيب، لا تكاد تجده يحدث عن الضعفاء، وهو الرابع من حفاظ البصرة، وهو ثقة، ويقال: إنَّه لم يكن بعد شعبة أعلم بالرجال منه، اهـ من «الجرح والتعديل» (9/35) ترجمة وهيب بن خالد.

            ومما يدل على تحريه: ما جاء في «الكامل) (7/2570) ترجمة هشام بن حسان القردوسي: قال وهيب: قال لي سفيان الثوري: أفِدْني عن هشام بن حسان، فقلت: لا أستحل ذاك، ولكن أحدثك عن أيوب، فجعلت أحدثه عن أيوب، وهو يسأل عن هشام، اهـ، وانظر «تهذيب التهذيب» (3611).

·       يحيى بن سعيد بن فروخ القطان البصري أبو سعيد الإمام الحافظ:

            قال سفيان: يحيى بن سعيد يريد شقيقاً عن عبدالله، قال أبو محمد وهو ابن أبي حاتم يعني: أنَّه لا يرضى إلا برواية الحفاظ المتقنين، اهـ من «الجرح والتعديل» (1/233).

            وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (2/202): ويحيى بن سعيد لا يحدث إلا عن الثقات عنده، اهـ ك/ الصلاة، ب/ الدليل على أنَّه لم يترك أصل القنوت في صلاة الصبح...

            وظاهر كلام النسائي الذي ذكره ابن عبدالبر في «التمهيد» (1/62-63) أنَّ يحيى بن سعيد ممن ينتقي، والله أعلم.

            وقد قال الفلاس: قال لي يحيى بن سعيد: لا تكتب عن معتمر إلا عمن تعرف، فإنَّه يحدث عن كل، اهـ من «فتح المغيث» (2/43).

            وقال العجلي: بصري ثقة، نقي الحديث، كان لا يحدث إلا عن ثقة، اهـ من «تاريخ الثقات» (ص:472) برقم (1807) ترجمة يحيى بن سعيد، وانظره في «تهذيب التهذيب» (11/219) بلفظ، بصري ثقة في الحديث، كان لا يحدث إلا عن ثقة، اهـ، وفي «الميزان) (2/674) ترجمة عبدالواحد بن صفوان: حدث عنه يحيى القطان، ولولا أنّه عنده صالح الحال، لما روى. عنه. اهـ.

            وقال أحمد: رحمه الله يحيى القطان، ما كان أضبطه، وأشد تفقده، كان محدثا. اهـ، من «تاريخ بغداد» (14/140)، وفي «سؤالات أبي داود لأحمد» (ص:198) برقم (137) قال: قلت لأحمد: إذا روى يحيى وعبدالرحمن بن مهدي عن رجل مجهول، يحتج بحديثه؟ قال: يحتج بحديثه. اهـ.

            إلا أنَّ هناك من صرح بخلاف هذا في يحيى، ففي «تاريخ الدوري» (2/342/331): كان يحيى بن سعيد يضعف عبدالحميد بن جعفر، قال الدوري: قلت ليحيى أي: ابن معين قد روى عنه يحيى بن سعيد، قال: روى عنه، ويضعفه، قال يحيى: وقد كان يحيى بن سعيد يروي عن قوم ما كانوا يساوون عنده شيئاً، اهـ وانظره في «الضعفاء الكبير» للعقيلي (3/44) ترجمة عبدالحميد بن جعفر الأنصاري برقم (1000)، وكذا في «الكامل» لابن عدي (5/1955).

            إلا أنَّ المشهور عن يحيى بن سعيد الانتقاء، فيحمل ذلك على الغالب، كما في حق غيره، والله أعلم.

·       يحيى بن أبي كثير اليمامي الطائي مولاهم أبو نصر:

            قال أبو حاتم: يحيى بن أبي كثير إمام لا يحدث إلا عن ثقة، اهـ من «الجرح والتعديل» (9/142)، وانظر «تهذيب التهذيب» (11/269) ترجمة يحيى بن أبي كثير، و«تذكرة الحفاظ» (1/128)، إلا أن يحيى قد عُرف بالتدليس، والمدلسون غالباً لا يدلسون إلا لشيء في مشايخهم، وقد قال أبوبكر بن أبي الأسود عن يحيى بن سعيد: مرسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح، اهـ. من «تهذيب التهذيب» (11/269).

            فهذا يدل على عدم تحريه، غير أنّ حسيناً المعلم قال: وقلنا ليحيى بن أبي كثير: هذه المرسلات عمن هي؟ قال: أترى رجلاً أخذ مداداً وصحيفة يكتب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الكذب؟ قال: فقلت له: فإذا جاء مثل هذا؛ فأخبرنا، قال: إذا قلت: بلغني فإنه من كتاب، اهـ. من «تهذيب التهذيب» (11/269)، فهذا يدل على أن عنده أصل التحري، ولا يمنع أن يكون ممن ينتقي في الجملة على ما قيل فيه، والله أعلم.

·       يحيى بن معين بن عون الغَطَفاني مولاهم أبو زكريا البغدادي الإمام البارع:

            في «تهذيب التهذيب» (11/286): قال أحمد بن علي الأبار عن ابن معين: كتبنا عن الكذابي، ثم سجّرنا بها التنور، اهـ.

            وهذا معناه أنَّه لم يرو عنهم، ولا يلزم من ذلك ترك الرواية عن الضعفاء والمجاهيل، لكن جاء في «اللسان» (3/15) ترجمة سعدان بن سعد الليثي:... روى عنه يحيى بن معين، قال الحافظ: ويكفيه رواية ابن معين عنه، اهـ.

            وهذا الأمر هو الذي يليق بمكانة هذا الإمام، ومنزلته العالية في هذا الشأن، وقد قال أبو قريش محمد بن جمعة: كنت في مجلس الصاغاني، فحدث عن ابن حميد، فقلت: تحدث عن ابن حميد؟ فقال: وما ليّ لا أحدث عنه، وقد حدث عنه أحمد ويحيى، اهـ من «تهذيب التهذيب» (9/128) ترجمة محمد بن حميد.

            وهذا معناه: أنَّ من رويا عنه، فهو أهل للرواية عنه، لأنّهما لا يرويان عن ضعيف، أما محمد بن حميد؛ فحاله نسأل الله العافية.

            وهذا يدل على انتقاء الصاغاني أيضاً -، لأنَّه لم يقل لأبي قريش: الرواية عن المتكلم فيهم لا بأس بها.

·       يعقوب بن سفيان الفسوي أبو يوسف:

            قال عن نفسه: كتبت عن ألف شيخ وكسْر، كلّهم ثقات، ما أحد منهم اتخذه عند الله حجة إلا أحمد بن صالح بمصر، وأحمد بن حنبل بالعراق. اهـ، «تهذيب التهذيب» (1/40) ترجمة أحمد بن صالح المصري.

            وقوله: «حجة» أعلى من مجرد كون الراوي ثقة، أي: أنَّ الأحمدين حجة في دينهما وسمتهما، وهما كذلك في السنة والحديث وغير ذلك، إلا أنَّ ابن حنبل أجل كما لا يخفى، وانظر كلام الفسوي في «ميزان الاعتدال» (1/103-104) ترجمة أحمد بن صالح.

·       أبو بكر محمد بن إسحاق الصاغاني:

            جاء في «تهذيب التهذيب» (9/366) ترجمة محمد بن عمر بن واقد الواقدي: قال إبراهيم بن جابر الفقيه: سمعت الصاغاني يقول: لولا أنَّه عندي ثقة ما حدثت عنه، اهـ.

            وفي ترجمة محمد بن حميد في «تهذيب التهذيب» (9/128) ما يدل على أنَّ الصاغاني ينتقي، وقد ذكرت النص ووجهه في ترجمة يحيى بن معين، لكن يظهر أنَّ الصاغاني عنده تساهل في التوثيق، لأنَّ توثيقه لمثل الواقدي وابن حميد الرازي، في النفس منه شيء، والله أعلم.

·       أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي:

            جاء في «الميزان» (3/366) ترجمة الفيض بن وثيق: قال ابن معين: كذاب خبيث، قال الذهبي: قلت: قد روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم، وهو مقارب الحال إن شاء الله، اهـ.

            وأبو حاتم يرحمه الله قد مدح سليمان بن حرب ويحيى بن أبي كثير وغيرهما بالانتقاء، والظاهر أنَّه لا يخالف أهل العلم الذين مدحهم بذلك في ذلك، والله أعلم.

·       أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، صاحب «السنن»:

            سئل أبو داود عن سوار بن سهل، فقال: لو لم أثق به ما رويت عنه. اهـ «سؤالات الآجري» (2/80/1189).

وفي «تهذيب التهذيب» (2/344) ترجمة الحسين بن علي بن الأسود العجلي:

قال الآجري عن أبي داود: لا ألتفت إلى حكاية أراها أوهاماً. انتهى.

            قال الحافظ: وهذا مما يدل على أنَّ أبا داود لم يرو عنه، فإنَّه لا يروي إلا عن ثقة عنده، اهـ، وفي (3/180) ترجمة داود بن أمية الأزدي، قال الحافظ: وقد تقدم أنَّ أبا داود لا يروي إلا عن ثقة، اهـ.

            وفي «نصب الراية» (1/199) ك/ الطهارات، ذكر الزيلعي عن ابن القطان في «الوهم والإيهام»: إسحاق بن إسماعيل، وقال: وهو شيخ لأبي داود، وأبو داود إنّما يروي عن ثقة عنده، اهـ.

            وقال الذهبي في «الميزان» (1/35) ترجمة إبراهيم بن سعيد المدني: قلت: وله حديث واحد في الإحرام، أخرجه أبو داود، وسكت عنه، فهو مقارب الحال، اهـ.

            وهذا القول من الإمام الذهبي يرحمه الله -، أصله ما قاله أبو داود في «رسالته لأهل مكة» (ص:27-28) حيث قال: وما كان في كتابيمنحديث فيه وهن شديد؛ فقد بيّنته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض، اهـ.

            وهذا لا يلزم منه ما ذهب إليه الحافظ الذهبي يرحمه الله -، وقد فصّل الحافظ في «النكت» (1/440-441) الكلام على ما سكت عليه أبو داود، وبيَّن أنَّه قد يسكت اكتفاءً بما تقدم له من الكلام في ذلك الراوي في نفس كتابه، وتارة يكون لذهول منه، وتارة يكون لشدة وضوح ضعف ذلك الراوي، واتفاق الأئمة على طرح روايته... وتارة يكون من اختلاف الرواة عنه، وهو الأكثر... اهـ.

            وفي «شرح مسلم» للنووي (1/25) كلام بشير إلى المعنى الذي ذكره الإمام الذهبي، وقد سبق ما فيه، والله أعلم.

·       أبو زرعة عبيدالله بن عبدالكريم بن يزيد بن فروخ الرازي:

            ففي «لسان الميزان» (2/416) ترجمة داود بن حماد بن فرافصة البلخي: وعنه أبو زرعة. قال ابن القطان: حاله مجهول، قال الحافظ: قلت: بل هو ثقة، فمِنْ عادة أبي زرعة: أن لا يحدث إلا عن ثقة، اهـ.

            وفي (6/116) ترجمة موسى بن الحكم الجرجاني: وعنه أبو زرعة الرازي، قال ابن السكن: لا يُعْرف هو ولا شيخه، ولا أن أبا زرعة حدث عنه، لم أذكر حديثه، اهـ، وانظر «التنكيل» (ص:282، 697).

·       أبو سفيان طلحة بن نافع: سبق في طلحة.

·       أبو سلمة الخزاعي منصور بن سلمة بن عبدالعزيز البغدادي:

            جاء في «تهذيب التهذيب» (10/184) نص عن أحمد بأنه كان لا يكتب إلا عن ثقة، وقد ذكرت النص بتمامه، في ترجمة الهيثم بن جميل البغدادي.

·       أبو كامل الجحدري مظفر بن مدرك الخراساني:

            سبق في ترجمة الهيثم بن جميل نص أحمد على أنَّه ممن لا يكتب إلا عن ثقة، انظر «تهذيب التهذيب» (10/184).

·       ابن حبان: سبق في محمد بن حبان.

·       ابن خزيمة: سبق في محمد بن إسحاق.

·       ابن ديزيل: سبق في إبراهيم بن الحسين.

·       ابن أبي ذئب: سبق في محمد بن عبدالرحمن.

·       ابن الشرقي: واسمه أحمد بن محمد بن الحسن أبو حامد النيسابوري:

            جاء في «سؤالات السلمي للدارقطني» (ص:53) برقم (18): وسألته عن أبي حامد بن الشرقي؟ فقال: ثقة مأمون إمام، فقلت: فما تكلم فيه ابن عقدة؟ فقال: سبحانه الله، وترى يُؤثر فيه مثل كلامه، ولو كان بدل ابن عقدة يحيى بن معين؟!

            قلت: وأبو علي الحافظ، كان يقول من ذلك؟ فقال: وما كان محل أبي علي وإن كان مقدماً في الصنعة أن يُسمع كلامه في أبي حامد رحم الله أبا حامد، فإنَّه كان صحيح الدين، صحيح الرواية، اهـ.

            فقوله: «صحيح الرواية» يشير إلى الانتقاء، وإن كان ليس بلازم، إلا أن الخطيب ساق سنده في «تاريخ بغداد» (4/247) إلى ابن خزيمة أنَّه نظر إلى أبي حامد بن الشرقي، فقال: حياة أبي حامد تحجز بين الناس وبين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اهـ وهذا بنحو ما قيل في ابن معين، ورجل هذا محله يُستبعد في حقه أن يروي الكذب عن المجاهيل والهلكي، وكلام ابن خزيمة هذا يقوي أن المراد بكلام الدارقطني انتقاء ابن الشرقي، والله أعلم.

·       ابن وضاح، واسمه محمد بن وضاح القرطبي:

            جاء في «تهذيب التهذيب» (6/391) ترجمة عبدالملك بن حبيب بن سليمان الأندلس، قال الحافظ: روى عنه ابن وضاح وبقي بن مخلد، ولا يرويان إلا عن ثقة عندهما، اهـ.

·       البيهقي: سبق في أحمد بن الحسين.

·       الحاكم صاحب «المستدرك» واسمه: محمد بن عبدالله أبو عبدالله النيسابوري:

            قال في خطبة كتابه «المستدرك» (1/42) ط/ دار الكتب العلمية:

            وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها، أنْ أجمع كتاباً يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذا لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنّهما يرحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما،... وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان، - رضي الله عنهما أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام: أنَّ الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة... اهـ.

            فهذا يدل على انتقاء الحاكم في رجال أسانيده في «المستدرك»، نعم لم يُوَفِّ بذلك، وقد اشتهر بتساهله في هذا الأمر، لكن لا يمنع ذلك من إدراجه فيمن ينتقي، وأن يعامل بما يعاملون به، والله أعلم.

·       الزبيدي: سبق في محمد بن الوليد.

·       الزهري: سبق في محمد بن مسلم.

·       الشعبي: سبق في عامر بن شراحبيل.

·       الصاغاني: سبق في أبي بكر محمد بن إسحاق.

·       الطبري: سبق في محمد بن جرير.

·       النسائي: سبق في أحمد بن شعيب.



([1]) ينظر هل الصواب: «السنن» أم لا؟

([2]) انظر لاستزادة في هذا الموضوع قواعد في علوم الحديث للتهانوي ص111 وحاشيته.

([3]) وفي حاشية (3): «التخيير» بالخاء المعجمة، واضحة النقط، في الأصل ومسخة ابن جماعة، يعني: في اختيار الثقات الذي يروى عنهم... اهـ.